محتوي المقال

بصفتي متخصص سيو، أتابع عن كثب تطورات محرك البحث جوجل وما يطرأ عليه من تحديثات خوارزمية وتغييرات في سياساته. شهدت الفترة الأخيرة (مع دخول عام 2026) تغييرات جوهرية في طريقة عمل بحث جوجل، سواء من حيث تحديثات الخوارزمية الأساسية المتكررة، أو دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في تجربة البحث (مثل ميزة Search Generative Experience التوليدية)، بالإضافة إلى تغيّر تفضيلات جوجل في تقييم المحتوى وهيكلة المواقع وتجربة المستخدم. في هذا المقال التقني، سأستعرض أحدث هذه التطورات وما تعنيه لأصحاب المواقع ومتخصصي السيو، مستعينًا بمصادر موثوقة ورؤيتي المهنية حول ما يحدث الآن في عالم تحسين محركات البحث.

تحديثات خوارزمية جوجل الأخيرة

شهد عام 2025 سلسلة من التحديثات الأساسية (Core Updates) التي أكّدت استمرار نهج جوجل في تحسين جودة نتائج البحث بشكل عام. أطلقت جوجل ثلاثة تحديثات أساسية رئيسية في 2025 (في مارس ويونيو وديسمبر)، إضافةً إلى تحديث واحد لمحاربة المحتوى العشوائي (السبام) في أغسطس من العام نفسه. ورغم أن جوجل باتت تؤكد عددًا أقل من التحديثات رسميًا مقارنةً بالسنوات السابقة، إلا أن ذلك لا يعني انخفاض تقلبات نتائج البحث؛ فقد كان عام 2025 مليئًا بالتقلبات والاختبارات المستمرة حتى بدون إعلانات رسمية لكل تغيير. بمعنى آخر، هناك العديد من التعديلات “غير المعلنة” التي تجريها جوجل بشكل متواصل على خوارزمياتها. حتى أن جوجل حدّثت وثائقها لتوضيح أنها تُجري تحسينات وخوارزميات أصغر بشكل مستمر، بحيث يمكن للمواقع رؤية تحسّن في ترتيبها نتيجة تحسين المحتوى في أي وقت، وليس فقط عند صدور تحديث أساسي كبير.

التحديثات الأساسية لعام 2025:

ما هي تحديثات جوجل
ما هي تحديثات جوجل

 ركّزت في مجملها على تحسين فهم المحتوى وتقديم نتائج أكثر صلة وإرضاءً للمستخدمين عبر مختلف أنواع المواقع. على سبيل المثال، جاء في إعلان جوجل عن تحديث مارس 2025 الأساسي أنه «تحديث منتظم يهدف إلى إظهار محتوى أكثر صلة ويفي بتطلعات الباحثين من جميع أنواع المواقع. ونواصل أيضًا عملنا على إظهار المزيد من المحتوى من صُنّاع المحتوى (creators) عبر سلسلة من التحسينات على مدار العام». وينطبق الأمر ذاته على التحديثات اللاحقة في يونيو وديسمبر 2025، حيث وصفتها جوجل بأنها تحديثات واسعة تهدف لإبراز المحتوى المفيد والمرضِي للمستخدم. من اللافت أن بعض المواقع التي تضررت سابقًا من تحديثات المحتوى المفيد (مثل تحديث “المحتوى المفيد” في سبتمبر 2023) شهدت تعافيًا جزئيًا خلال طرح تحديث يونيو 2025، مما يدل على أن جوجل تراجع تقييمها للمواقع بمرور الوقت وتكافئ من يحسّن محتواه فعليًا.

تحديثات مكافحه السبام:

إلى جانب التحديثات الأساسية، أطلقت جوجل تحديثًا واسعًا لمكافحة السبام في أغسطس 2025 استمر نحو 27 يومًا (من 26 أغسطس حتى 22 سبتمبر). استهدف هذا التحديث المواقع والتكتيكات التي تحاول التلاعب بنتائج البحث من خلال المحتوى غير المرغوب فيه. وبحسب جوجل، لم يحمل التحديث الجديد شيئًا “فريدًا” خارج إطار التحديثات المعتادة للسبام؛ فقد كان تحديثًا شاملاً لكل اللغات يهدف للحفاظ على جودة النتائج. اللوغاريتم تعرّف بسرعة على المواقع المخالفة، إذ ظهرت آثار التحديث في غضون 24 ساعة على المواقع المتضررة، مع انخفاضات حادة في الزيارات العضوية لتلك التي تعج بالمحتوى المخالف. الجدير بالذكر أن بعض المواقع التي تضررت في تحديثات سبام سابقة تمكنت من التعافي إذا قامت بتنظيف موقعها وتحسين جودته، مما يؤكد على أهمية الالتزام بممارسات النشر النزيهة.

تجربة البحث التوليدية ودمج الذكاء الاصطناعي في النتائج

من أكبر التغييرات التي طرأت على مشهد البحث مؤخراً هو دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في نتائج جوجل. قدمت جوجل ما يُعرف بـ تجربة البحث التوليدية (Search Generative Experience – SGE) لأول مرة كتجربة في عام 2023، ثم بدأت بتوسيعها تدريجيًا. وفي مايو 2024، أعلنت جوجل توفّر ميزة “الملخصات التوليدية” (AI Overviews) لجميع المستخدمين في الولايات المتحدة، مع خطة لتوسيعها عالميًا. وبحلول منتصف 2025، أصبحت هذه الميزة متاحة في أكثر من 200 دولة وبأكثر من 40 لغة حول العالم – أي أن غالبية مستخدمي جوجل بات لديهم إمكانية رؤية إجابات توليدية مدعومة بالذكاء الاصطناعي أعلى نتائج البحث التقليدية.

ما هي تجربة البحث التوليدية؟

ببساطة، عند إدخال استفسار معقد أو طلب متعدد الخطوات، قد يقوم جوجل الآن بتوليد إجابة مركّبة مدعومة بالذكاء الاصطناعي تظهر في مربع أعلى النتائج (مشابهة لفكرة المقتطفات المميزة سابقًا لكن أكثر تطورًا). تعتمد هذه الإجابات على نموذج ذكاء اصطناعي متقدم مخصص للبحث؛ وقد حدثت جوجل النموذج إلى Gemini 3 الأحدث (نسخة Flash) بنهاية 2025 ليصبح المحرك الافتراضي وراء هذه التجربة. يتميز نموذج Gemini 3 بقدرة أقوى على الاستدلال المنطقي المتعدد الخطوات ومعالجة استفسارات معقدة، مع تقديم الإجابات بسرعة أكبر من النماذج السابقة. وبالفعل، صرّحت جوجل أنها تتجه نحو نهج “البحث أولاً بالذكاء الاصطناعي” (AI-First Search)، حيث يتم الإجابة على المزيد من الاستفسارات مباشرة عبر الذكاء الاصطناعي دون اعتماد كلي على عرض الروابط التقليدية. هذا يعني حصول المستخدم على خلاصة شاملة لسؤاله وربما توصيات وروابط ذات صلة، وكل ذلك ضمن صفحة البحث نفسها وبشكل منظم بصريًا. على سبيل المثال، بات بإمكان جوجل تقسيم سؤال معقد إلى أجزاء، وجلب معلومات آنية (مثل بيانات محلية أو أسعار) مع روابط من الويب، ثم تقديمها بصورة لوحة معلومات تفاعلية غنية. كذلك أضافت جوجل قدرات مولدة للصور داخل هذه الوضعية (باستخدام نماذج Gemini 3 Pro في الولايات المتحدة) بحيث يمكن للمستخدم إنشاء صور توضيحية أو مخططات ضمن سياق الإجابة التوليدية.

تأثير SGE على حركة المرور والمواقع:

على الرغم من التجربة الغنية التي توفرها هذه الإجابات المدعومة بالـAI، إلا أنها تطرح تحديًا كبيرًا للمواقع والناشرين من زاوية نسبة النقر إلى الظهور (CTR). فالآن، يحصل المستخدم في كثير من الحالات على مبتغاه مباشرة من صفحة البحث دون حاجة للضغط على أي نتيجة – ما يرفع معدّل ما يسمى عمليات البحث بلا نقر بشكل ملحوظ. البيانات الميدانية خلال 2024 و2025 أظهرت انخفاضًا حادًا في نسبة الزيارات التي تتجه إلى المواقع عند ظهور ملخصات الذكاء الاصطناعي في النتائج. في دراسة لمركز Pew Research وُجد أن معدل النقر انخفض من 15% إلى حوالي 8% فقط عندما تظهر الإجابة التوليدية أعلى الصفحة – أي انخفاض يقارب 47% من النقرات المحتملة. وبالمثل، تحليل من Ahrefs أشار إلى انخفاض بنحو 34% في معدل النقر على النتيجة الأولى للكلمات المفتاحية المعلوماتية التي يتم فيها توليد إجابة AI. وليس غريبًا إذن أن ترتفع نسبة عمليات البحث التي لا ينتج عنها أي نقر إلى ما يقارب 69% من إجمالي الاستفسارات بحلول 2025.

هذه الأرقام تؤكد ما شعر به كثير من الناشرين فعليًا؛ فاعتبارًا من تعميم ميزة AI Overviews في منتصف 2024، بدأت مواقع الأخبار والمحتوى تشهد تراجعات كبيرة في الزيارات العضوية. بعض التقارير تتحدث عن انخفاض زيارات يصل إلى 70-90% لبعض المواضيع التي باتت تُجاب مباشرة عبر جوجل. على سبيل المثال، شركة نشر كبرى كـDMG Media (المالكة لموقع MailOnline) أفادت بانخفاض نحو 90% في النقرات لبعض استفسارات الأخبار الشائعة بعدما تولّى جوجل تلخيص الإجابات للمستخدمين. هذا تغيير جذري في اقتصاديات الويب، حيث كان البحث العضوي لعقود هو شريان الحياة لحركة المرور نحو المواقع.

ردّ جوجل وتوجيهاته:

 من ناحيتها، تؤكد جوجل أنها لا تزال ملتزمة بإرسال زيارات “ذات قيمة” للناشرين حتى مع إدماج الذكاء الاصطناعي. في منشور رسمي عام 2024، ذكرت الشركة أن المستخدمين مع الملخصات التوليدية “يزورون تشكيلة أوسع من المواقع” وأن الروابط التي تظهر داخل هذه الملخصات تحصل على نقرات أكثر مقارنة بكون الصفحة مجرد نتيجة تقليدية. وأشارت جوجل إلى أنها مع توسيع التجربة ستستمر بالتركيز على دعم الناشرين وصنّاع المحتوى، موضحةً أن الروابط المضمنة في إجابات الذكاء الاصطناعي تعمل كاقتباسات تقود المهتمين إلى المصادر الأصلية. بطبيعة الحال، يُظهر واقع البيانات أن إجمالي النقرات قد تناقص، لكن من منظور جوجل ربما أن نوعية الزيارات هي التي تحسنت: أي أن المستخدم الذي ينقر بعد قراءة ملخص AI هو مستخدم مهتم فعلاً ويريد التعمق، مما قد يعني معدل ارتداد أقل وتفاعل أعلى. هكذا تدافع جوجل عن نهجها بأن الغرض هو إرضاء المستخدم أولاً وأخيرًا، حتى لو قلّ عدد الزيارات، معتبرةً أن المواقع عليها التكيف لجذب المستخدمين بطريقة جديدة.

من واقع خبرتي، أرى أن دمج الذكاء الاصطناعي في البحث بات واقعًا لا مفر منه. على أصحاب المواقع الآن التركيز على استراتيجيات تكاملية: فبدلاً من الاعتماد فقط على تدفق الزوار من بحث جوجل لقراءة مقالات إخبارية أو تعريفية بسيطة، ينبغي تقديم محتوى أو خدمات تجعل المستخدم بحاجة فعلية لزيارة الموقع (كالأدوات التفاعلية، المحتوى المتعمق جدًا، التجارب التي لا يمكن للـAI تقديمها مباشرة). كما أن بناء علامة تجارية قوية صار أكثر أهمية من أي وقت مضى؛ فقد لاحظت دراسات أن البحث المباشر عن أسماء المواقع (Branded Search) ازداد لدى بعض الناشرين حتى مع تراجع الزيارات العامة، مما يعني أن المستخدمين الذين يثقون بمصدر معين سيستمرون بالرجوع إليه إما مباشرةً أو من خلال البحث باسمه. خلاصة القول: الذكاء الاصطناعي يغير شكل رحلة المستخدم، لكنه لا يلغي دور المواقع التي تقدم قيمة حقيقية فريدة. علينا كمتخصصي سيو مواكبة هذا التحول وابتكار طرق لجعل مواقعنا مرئية ومقنعة سواء ظهر محتوانا ضمن ملخصات الذكاء الاصطناعي أو احتاج المستخدم للضغط للوصول إلينا.

معايير جودة المحتوى وتفضيلات جوجل في 2026

إذا كان من شيء رسخته تحديثات جوجل الأخيرة، فهو أن جودة المحتوى تأتي أولًا. وضعت جوجل خلال الأعوام الماضية إطارًا واضحًا يمكن تلخيصه بمفهوم “المحتوى المفيد والمتمحور حول الإنسان” (People-First Content) مقابل المحتوى المصمم فقط لمحركات البحث. في إرشادات Google Search Central الرسمية، توصي جوجل كتاب المحتوى بأن يسألوا أنفسهم: هل يقدم المحتوى فائدة حقيقية لجمهوري؟ هل يعكس خبرة ومعرفة عميقة من واقع تجربة فعلية؟ هل سيشعر القارئ بالرضا وحصوله على مبتغاه بعد قراءة المحتوى؟. إذا كانت الإجابة نعم، فأنت على الطريق الصحيح. أما إذا كان المحتوى موجودًا فقط لاستقطاب الزيارات من محركات البحث دون قيمة مضافة حقيقية – كأن يكون مجرد إعادة صياغة لمحتويات أخرى، أو تجمع آلي لمعلومات من دون رؤية خاصة، أو استهداف لمواضيع رائجة لا تملك فيها خبرة بهدف جلب الزوار – فإن جوجل تحذّر بأن هذا نهج خاطئ. على سبيل المثال، الاستخدام المفرط للأتمتة في إنتاج كم كبير من المحتوى دون مراجعة يدوياً أو إضافة قيمة أصلية يُعد إشارة سلبية. كذلك المحتوى الذي يعد القارئ بإجابة عن سؤال غير قابل للإجابة (كإشاعة موعد صدور منتج غير مؤكد) أو الصفحات التي تكتفي بتكرار ما قاله الآخرون دون جديد – كل ذلك تضعه جوجل في خانة المحتوى غير المفيد الذي قد يتم تخفيض ترتيبه.

مفهوم E-E-A-T وتعزيز الثقة

تبنّت جوجل منذ نهاية 2022 إطار E-E-A-T (اختصار Experience, Expertise, Authoritativeness, Trustworthiness) أي: الخبرة الشخصية، والخبرة المهنية/التخصص، والموثوقية، والثقة. هذا المفهوم مذكور في إرشادات الجودة ومحوري في تقييم المحتوى. باختصار، خوارزميات جوجل مصممة لتعطي أولوية للمحتوى الذي يظهر عناصر الخبرة والتخصص والموثوقية، معتبرةً أن هذه العناصر مجتمعة تساهم في بناء الثقة لدى المستخدم. وتؤكد جوجل أن الثقة (Trust) هي العنصر الأهم بينها؛ فالمحتوى قد ينجح عبر إحدى الطرق الأخرى (خبرة أو تخصص) لكن بدون موثوقية وثقة لن يتم تفضيله. على سبيل المثال، في المواضيع الحساسة التي تخص “مالكَ أو حياتكَ” (المجالات المالية والصحية والقانونية وما شابه)، تمنح جوجل وزنًا أكبر لمعايير E-E-A-T. لذا نرى المواقع الطبية الموثوقة أو المواقع الحكومية تتصدر تلك النتائج، لأن أي معلومات خاطئة هناك قد تضر بالمستخدمين. بالنسبة لأصحاب المواقع، هذا يعني ضرورة إبراز عوامل الثقة: تأكد من وجود صفحة “من نحن” واضحة، وعرض اسم الكاتب وخبراته لكل مقال ذو شأن، وتوفير مصادر ومراجع موثوقة داخل المحتوى عند نقل معلومات علمية أو إحصائية. لم تعد إخفاء هوية الكاتب أو إنتاج محتوى مجهول المصدر استراتيجية مجدية؛ على العكس، الشفافية أصبحت ضرورة لتعزيز الثقة أمام خوارزميات جوجل والمستخدمين على حد سواء.

الجدير بالذكر أن جوجل حدّثت مبادئ تقييم جودة البحث الخاصة بفِرَق المقيمين البشريين لتتواءم مع عصر الذكاء الاصطناعي. ففي أوائل 2025 أضافت تعريفات واضحة حول المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي، وكيف يمكن أن يكون أداة مفيدة إذا أُحسن استخدامها، لكنه أيضًا قد يُسيء البعض استخدامه لإنتاج محتوى منخفض الجودة بكميات كبيرة. بل إنّ التعليمات الجديدة للمقيّمين (في قسم 4.6.6) تنص صراحةً على إعطاء تقييم “منخفض جدًا” (Lowest) لأي صفحة يكون “كل أو غالبية محتواها الرئيسي منسوخًا أو مُعاد صياغته أو مولّدًا تلقائيًا (بواسطة AI) بدون جهد أو أصالة أو قيمة مضافة واضحة للزائر”. هذا مؤشر قوي على اتجاه جوجل: المحتوى الذي تم إنتاجه بلمسة زر، أو مجرد تجميع معلومات من مواقع أخرى دون لمسة بشرية أو تحليل أصلي، لن يحظى بترتيب جيد وقد يُصنّف بأنه سبام أو محتوى عديم الفائدة. في المقابل، المحتوى الذي يستخدم فيه الذكاء الاصطناعي بشكل مدروس – مثلا كأداة لمساعدة الكاتب في جمع الأفكار أو الصياغة – مع قيام الكاتب بخبرة بشرية في التحرير والإضافة والتأكد من الجودة، فهذا قد ينجح إن لبّى احتياجات المستخدم. بعبارة أخرى، جوجل لا تعاقب الذكاء الاصطناعي كوسيلة بحد ذاتها، بل تعاقب إساءة استخدامه عندما تكون النتيجة محتوى ركيك مكرر.

تحديثات أنظمة المراجعات (Reviews)

جانب آخر ضمن أنواع المحتوى المفضلة هو المراجعات عالية الجودة. كانت جوجل قد أطلقت منذ 2021 سلسلة تحديثات لتحسين نتائج مراجعات المنتجات، وتطورت هذه المنظومة إلى ما يُعرف الآن بـ**“نظام المراجعات”** الذي يشمل ليس المنتجات فحسب بل أي محتوى تقييمي. تفضّل جوجل بشدة المراجعات التي تعرض خبرة مباشرة وأدلة ملموسة على تجربة المنتج أو الخدمة. فإذا كنت تكتب مراجعة عن هاتف ذكي مثلا، ينبغي أن تتضمن مقالك نتائج اختبارات قمت بها، صورًا أصلية للجهاز، شرحًا لمميزات وعيوب من واقع الاستخدام، وليس مجرد تلخيص لمواصفاته المنشورة. خلال 2023، تم تعزيز هذه المنظومة بشكل مستمر وأصبحت تُطبق عبر مختلف القطاعات (الإلكترونيات، السياحة، الأفلام… إلخ). النتيجة هي أن المواقع التي اعتادت نشر مراجعات سطحية أو جمع تقييمات دون قيمة حقيقية بدأت تشهد تراجعًا، بينما المراجعات الأصيلة الشاملة باتت تتصدر. وإنصافًا، هذا يصب في مصلحة كل من المستخدم والناشر الجاد: فعندما يقدّم موقعك أفضل مراجعة في الويب لمنتج ما، جوجل تريد إبرازك في النتائج الأولى. أما من ينسخ المراجعات أو يحشوها بكلمات مفتاحية دون تقديم فائدة، فسيجد صعوبة في الظهور.

البنية التقنية وتجربة المستخدم: ماذا تريد جوجل الآن؟

تحسين تجربة المستخدم
تحسين تجربة المستخدم

إلى جانب المحتوى، هناك عوامل تقنية وبنيوية تواصل جوجل اعتبارها ضمنيًا في الترتيب – حتى لو تراجعت عن التعامل معها كعوامل تصنيف مستقلة. في الماضي القريب، روّجت جوجل لمفهوم “تجربة الصفحة” (Page Experience) والذي يشمل سرعة تحميل الموقع (Core Web Vitals) والتوافق مع الجوال ووجود بروتوكول HTTPS الآمن وعدم إزعاج المستخدم بنوافذ منبثقة. لكن في 2023، حدث تغيّر في طريقة حديث جوجل عن هذه العوامل؛ فقد حدّثت صفحة أنظمة الترتيب وأزالت “نظام تجربة الصفحة” كعامل مستقل. أوضحت جوجل أن تجربة الصفحة هي إشارة ترتيب وليست نظام ترتيب بحد ذاته. بمعنى أن سرعة الموقع وتوافقه وأمانه هي أمور تتوافق عادةً مع نجاح الصفحة في البحث، لكنها ليست عوامل حسابية مباشرة تعطي الموقع دفعة سحرية في الترتيب. وقالت جوجل: حتى لو لم تُستخدم كل تلك الإشارات بشكل مباشر، نجد أنها كلها تتماشى مع النجاح في البحث وتستحق الاهتمام. هذا التصريح يتماشى أيضًا مع تعليق جون مولر (من فريق جوجل) بأن البعض بات “يفرط في التركيز على أرقام تلك الإشارات (مثل درجات السرعة)، وهذا ليس استخدامًا جيدًا للوقت والجهد – فمن الأفضل التفكير بشكل شمولي”. الرسالة هنا أننا كأصحاب مواقع يجب ألا نهمل هذه الجوانب (فلا أحد يريد موقعًا بطيئًا أو غير آمن)، ولكن أيضًا لا جدوى من مطاردة درجات مثالية في PageSpeed على حساب المحتوى نفسه. اجعل موقعك سريعًا ومناسبًا للموبايل وآمنًا لأن هذا يخدم المستخدم أولًا ويسهّل على محرك البحث الوصول لمحتواك، ولكن تذكر أن المحتوى الممتاز قد يتفوق حتى لو كانت سرعة موقعك متوسطة – والعكس صحيح.

أيضًا، على الصعيد التقني، البنية المنظمة للموقع تساعد جوجل في فهم محتواك بشكل أفضل. استخدام البيانات المنظمة (Structured Data) في صفحاتك (مثل Schema.org) أصبح ضروريًا للحصول على ميزات نتائج غنية (كالنجوم والتقييمات والوصفات… إلخ) وربما سيتم استغلالها أيضًا ضمن ملخصات الذكاء الاصطناعي المستقبلية لتوفير معلومات دقيقة. تأكد من أن خرائط الموقع (Sitemap) لديك محدثة وتسهل فهرسة صفحاتك الجديدة. راقب أدوات مشرفي المواقع (Google Search Console) باستمرار لمعالجة أي مشاكل زحف أو فهرسة تظهر؛ فقد عانت جوجل نفسها في 2025 من بعض الأخطاء المؤقتة (مثل مشكلة زحف في أغسطس 2025 استغرقت أيامًا للحل)، وبالتالي من المهم التأكد أن موقعك جاهز للأرشفة الصحيحة متى ما تمت إعادة الزحف. نقطة أخرى برزت في 2025 هي حرص جوجل على الوصول إلى كافة محتويات الصفحة المهمة – مثلاً إذا كان لديك محتوى فيديو مضمّن وتمنع جوجلbot من الوصول لملف الفيديو نفسه، قد يؤثر ذلك سلبًا على تصنيف الصفحة، خاصة لو كان الفيديو محور الصفحة. الرسالة هنا: لا تحاول إخفاء أي جزء من محتواك عن جوجل بحجة توفير استهلاك أو حماية؛ إذا كان المحتوى مهمًا للمستخدم، اسمح لعناكب البحث بالوصول إليه لفهم سياق صفحتك الكامل.

تأثير هذه التحديثات على المواقع واستراتيجيات السيو

لقد أثرت تحديثات 2025 وما قبلها بقليل بشكل واضح على أداء الكثير من المواقع، بين رابح وخاسر. المواقع التي اعتمدت في استراتيجيتها السابقة على نشر كم هائل من الصفحات ذات الجودة المنخفضة (كالمحتوى المنسوخ أو المولّد آليًا دون تدقيق) كانت من أبرز الخاسرين؛ إذ هبطت ترتيبها وربما اختفى الكثير من صفحاتها من النتائج المتقدمة. على سبيل المثال، مع كل من التحديثات الأساسية وتحديث المحتوى المفيد، تعرضت مواقع “المزارع المحتوى” (Content Farms) ومواقع الأخبار الرديئة لعقوبات أفقدتها نسبة كبيرة من زياراتها. في المقابل، العديد من المواقع التي استثمرت في الجودة والعمق شهدت مكاسب أو استردادًا لبعض خسائرها السابقة. فعندما تعلن جوجل عن تحديث أساسي، لا تقدّم قائمة محددة بالعوامل التي تغيرت، لكن توصياتها الدائمة لأي موقع تضرر هي ”راجع محتواك بالكامل وركّز على تحسينه للمستخدم”. وقد رأينا فعلاً حالات حيث مواقع تضررت في تحديث سابق تمكنت من التحسن في التحديث التالي بعد أن أعادت بناء استراتيجيتها (مثلما حصل مع مواقع تضررت في 2023 ثم بدأت تتعافى جزئيًا في 2025 بعد تحسين محتواها). هذا يؤكد أن التعافي ممكن ولكنه يتطلب وقتًا وعملًا حقيقيًا وليس حيلة سيو سريعة.

مع دخولنا 2026، بات من الواضح ما الذي تريده جوجل الآن:

  • محتوى مفيد ذو جودة عالية يلبّي نية المستخدم ويقدّم له قيمة حقيقية، مكتوب بلغة سليمة ومن مصدر موثوق. لم تعد الحيلة في حشو الكلمات المفتاحية أو بناء روابط بلا معنى؛ المحتوى هو الملك أكثر من أي وقت مضى.

  • خبرة المستخدم الممتازة: جوجل تريد أن يقضي المستخدم وقتًا ذا فائدة في موقعك بدون إزعاج. هذا يعني موقع سريع، متوافق مع الأجهزة المحمولة، دون إعلانات منبثقة مزعجة، سهل التصفح، يقدم تجربة سلسة. حتى لو لم تعد جوجل تمنح “نقاط ترتيب” مباشرة لهذه العناصر، فهي بلا شك تراقب تأثيرها غير المباشر (مثل بقاء المستخدم في موقعك أو عودته مجددًا).

  • الصدق والشفافية: لا تحاول إخفاء هويتك أو من أين أتيت بمعلوماتك. عرّف عن مؤلفي المحتوى لديك، أعرض مراجعك. جوجل لديها خوارزميات تقييم سمعة للمواقع (Site Reputation) وتنظر بعين الريبة للمحتوى المجهول أو المنسوخ. إذا كنت خبيرًا في مجالك، أظهر ذلك بوضوح في موقعك لأن هذا يعزز الثقة (Trust) – العامل الأهم كما أسلفنا.

  • الابتعاد عن التكتيكات الملتوية: أي محاولة للتلاعب – سواء بشراء روابط بشكل مخالف، أو إخفاء كلمات، أو نشر تعليقات مزيفة، أو استخدام شبكات تدوين خاصة – باتت مخاطرة كبرى مع تطور خوارزميات جوجل. حتى استغلال الدومينات المنتهية الصلاحية أو نشر محتوى غير ذي صلة على مواقع ذات ترتيب عالٍ (وهي أساليب سبام أدرجتها جوجل في دليل المقيمين لعام 2025) أصبحت مرصودة وقد تؤدي لعقوبات. ببساطة، اتّبع أفضل الممارسات المعروفة وابتعد عن الأساليب المشبوهة.

من واقع عملي مع عدة مواقع مؤخرًا، ألاحظ أن الفرق بين من تحسّن ترتيبه ومن تراجع يأتي غالبًا من استراتيجية المحتوى. المواقع التي تتبنّى نهجًا تحريريًا احترافيًا – تستهدف مواضيع محددة تمس جمهورها وتغطّيها بعمق وشمول – هي التي ترى نموًا مستدامًا. على سبيل المثال، أحد العملاء ركّز عام 2025 على تحديث مقالاته القديمة وإغنائها بمعلومات محدثة وإضافة أقسام تعكس أسئلة المستخدمين الفعلية؛ هذا الموقع لم يتأثر سلبًا بالتحديثات بل زادت زياراته تدريجيًا لأن جوجل رأت فيه مصدرًا أكثر فائدة من ذي قبل. على الجانب الآخر، موقع آخر كان يعتمد على نشر عشرات المقالات قصيرة يوميًا في شتى المواضيع دون تخصص أو جودة، هذا تراجع بشدة واختفى العديد من صفحاته من الصفحة الأولى بعد تحديثات المحتوى المفيد.

العبرة هنا واضحة: ركّز على ما يريده المستخدم وما تعتبره جوجل محتوى عالي الجودة، وسيأتيك التصنيف المرتفع تباعًا.

رؤيتي كمختص سيو

كمتخصص عايش عدة سنوات من تغيرات جوجل، يمكنني القول إن عام 2026 يمثل حقبة جديدة في علاقة جوجل بالمواقع. جوجل أصبحت أذكى وأسرع في فهم المحتوى ونوايا البحث بفضل الذكاء الاصطناعي وتحسين خوارزمياتها، لكنها أيضًا أكثر صرامة تجاه أي محتوى أو تكتيك لا يضع المستخدم أولًا.

الهدف النهائي لجوجل لم يتغير: تقديم أفضل إجابة ممكنة لكل باحث بأسرع وأسهل طريقة. الجديد هو أن تلك “الإجابة” قد تأتي أحيانًا مباشرة من جوجل نفسها (عبر الـAI) أو عبر إبراز موقعك إن كنت تستحق. دوري ودور كل متخصص سيو ومسؤول موقع أن نثبت لجوجل أن مواقعنا تستحق الظهور لأنها فعلاً الأفضل للمستخدم.

في ظل التحديثات الأخيرة، نصيحتي هي التركيز على ثلاثية النجاح: محتوى عالي الجودة + تقنية موقع متينة وتجربة مستخدم راقية + موثوقية وثقة. إذا حققت هذه الأركان، فإنك عمليًا تلبي ما تبحث عنه خوارزميات جوجل الحديثة. ربما لن ترى مكاسب فورية بين ليلة وضحاها – فتذكّر أن التحديثات الأساسية قد تأتي بفواصل أشهر – لكن عندما يحين الوقت ويعيد جوجل تقييم المشهد، ستكون من الرابحين المستدامين. أما من يستمر في الطرق القديمة، فسيجد نفسه يتراجع شيئًا فشيئًا.


أخيراً، أصبحت تحسن محركات البحث في 2026 تدور حول العودة إلى الأساسيات الصحيحة: اصنع موقعًا يفتخر به المستخدم قبل صاحب الموقع، وسيحبّه جوجل تلقائيًا. أنا متفائل بأن هذه التغييرات، رغم صعوبتها على المدى القصير، ترفع معايير الويب ككل وتجعل المنافسة تدور حول تقديم الأفضل فعلاً. وهذا في نهاية المطاف يصب في صالح الجميع – الباحث، ومحرك البحث، وصاحب الموقع المجتهد. المصادر التي استعنت بها في هذا التحليل – من مدونات جوجل الرسمية وتقارير مواقع موثوقة في مجال البحث – تؤكد جميعها هذه الحقيقة: جوجل تريد محتوى مفيدًا ذا موثوقية، وتجربة سلسة للمستخدم… فمن كان كذلك فليطمئن، ومن لم يكن فعليه التغيير.

مقالات ذات صلة